السيد جعفر مرتضى العاملي
276
صفوة الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( ص )
ى عطاها . فلمّا أصبح النّاس غدوا على رسول الله ( ص ) كلّهم يرجو أن يُعطاها ، فما منّا رجلٌ له من رسول الله ( ص ) منزلة إلّا وهو يرجوا أن يكون ذلك الرّجل . وكان علي ( ع ) قد أصيب برمدٍ شديد كما اتّفقت على ذلك الرّوايات فاستدعاه النّبيّ ( ص ) ، فمسح بيده الكريمة على عينيه ، وقيل : تفل فيها ، فبرءت من ساعتها ، ودعاله وأعطاه الرّاية ووجّهه إلى الحصن . « 1 » قال سلمة بن الأكوع : فانطلق علي ( ع ) يهرول هرولة ، ونحن خلفه نتبع أثره ، حتّى ركز الرّاية تحت الحصن . فكان أوّل من خرج إليهم الحارث أبو زينب ، أخو مرحب في عاديةٍ ، « 2 » وكان معروفاً بالشّجاعة ، فانكشف المسلمون ، وثبت علي ( ع ) ، فاضطربا ضرباتٍ ، فقتله علي ( ع ) . ورجع أصحاب الحارث إلى الحصن ، وأغلقوا عليهم ، ورجع المسلمون إلى موضعهم . فاستعظم ذلك قائدهم مرحب بعد أن شهد مصرع أخيه وهزيمة من معه ، فخرج من الحصن وعليه مِغفرٌ معصفر يماني وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه وهو يرتجز ويقول : قد علمت خيبر أنّي مرحب شاكي السّلاح بطلٌ مجرّب إذا اللّيوث أَقْبَلَتْ تَلَهَّب وأحجمت عن صولة المغلّب ولم يكن بخيبر أشجع من مرحب ، ولم يقدر أحدٌ من أهل الإسلام أن يقاومه في الحرب . « 3 » فبرز له عليّ بن أبي طالب ( ع ) وهو يرتجز : أنا الّذي سمّتني أمّي حيدره « 4 » كليث غابات كريه المنظرة
--> ( 1 ) 1 . راجع : منتخب كنز العمال ( مطبوع مع مسند أحمد ، ج 4 ، ص 127 و 128 ، والصواعق المحرقة ، ص 74 ، وحياة الحيوان ، ج 1 ، ص 237 ( 2 ) 2 . أي ممّن يعدّون للقتال على أرجلهم ( 3 ) 3 . تاريخ الخميس ، ج 2 ، ص 50 ( 4 ) 4 . قال ثابت بن قاسم : في تسمية علي ( ع ) بحيدرة ثلاثة أقوالٍ : أحدها : أنّ اسمه في الكتب المتقدّمة أسد ، والأسد هو الحيدرة . الثّاني : أنّ أمّه فاطمة بنت أسد ( رضي الله عنها ) حين ولدته ، كان أبوه غائباً ، فسمّته باسم أبيها ، فقدم أبوه فسمّاه عليّاً . الثّالث : أنّه كان لُقّب في صغره بحيدرة ؛ لأنّ « الحيدرة » الممتلى لحماً مع عظم بطن وكذلك كان علي ( ع ) ( سبل الهدى والرشاد ، ج 5 ، ص 163 ) . ولكنّ الصّحيح في القضيّة هو ما رواه المفيد : لمّا كان يوم خيبر خرج مرحب وكان طويل القامة ، عظيم الهامة ، وكانت اليهود تقدّمه لشجاعته ويساره . إلى أن قال : وكانت له ظئرٌ وكانت كاهنة ، تعجب بشبابه وعظم خلقه ، وكانت تقول له : قاتل كلّ من قاتلك وغالب كل من غالبك إلّا من تسمّى عليك ب - « حيدرة » فإنّك إن وقفت له هلكت . فلمّا ارتجز ( ع ) يوم خيبر ب - « أنا الّذي سمتني أمّي حيدره . . . » وسمعها منه مرحب ، هرب ولم يقف ، خوفاً ممّا حذرته منه ظئره . فتمثّل له إبليس في صورة حبر من أحبار اليهود ، فقال : إلى أين يا مرحب ؟ فقال : قد تسمّي على هذا القرن بحيدرة ! ! فقال له إبليس : فما حيدرة ؟ فقال : إنّ فلانة ظئري كانت تحذّرني من مبارزة رجل اسمه حيدرة وتقول : إنّه قاتلك . فقال له إبليس : شوهاً لك ، لو لم يكن حيدرة إلّا هذا وحده لما كان مثلك يرجع عن مثله تأخذ بقول النّساء ، وهنّ يخطئن أكثر ممّا يصبن ؟ ! وحيدرة في الدّنيا كثيرٌ ، فارجع فلعلّك تقتله . . ، فردّه ، فوالله ما كان إلّا كفواق ناقة حتّى ضربه علي ( ع ) ضربةً سقطها منها لوجهه وانهزم اليهود يقولون : قتل مرحب ، قتل مرحب ( البحار ، ج 21 ، ص 9 عن الأمالي للمفيد ، وأمالي الطوسي ، ص 4 ، ومدينة المعاجز ، ج 1 ، ص 178 ) .